محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
125
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ومنع اللّه لك إحسان ؛ لأنه ألزمك الوقوف ببابه ، وعافاك من وجود حجابه . وإن شئت قلت : العطاء من الخلق حرمان لما فيه من وجود محبتك لهم على ذلك ، وتقلّد منتهم في أخذ عطيتهم . والمنع من اللّه إحسان لأنه حبيبك وكلّ ما يفعله الحبيب محبوب ، وللّه درّ من قال : فلا ألبس النعمى وغيرك ملبسى * ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب وفي وصية عليّ رضي اللّه عنه : لا تجعل بينك وبين اللّه منعما ، وأعدد نعمة غيره عليك مغرما . وقال بعض الحكماء : حمل المنن أثقل من الصبر على العدم . وقال آخر : عزّ النزاهة أشرف من سرور الفائدة . جلّ ربنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة « 1 » . جزاء المعاملة لا يختص بالدار الآخرة ، بل ربما أظهر الحق تعالى منه لبعض أوليائه في الدنيا أنموذجا يحملهم على الاجتهاد في الأعمال ويتحققون به وجود قبولها في كل الأحوال ، وذلك لعظيم كرمه وعميم فضله ، جلّ وعلا . كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلا . هذا بيان جزائهم المعجل : وهو أنه عرّفهم من عظمته وجلاله وكبريائه ما استحقروا معه أنفسهم أن يكونوا أهلا لأن يكلّفهم القيام بطاعته ، ويمدّهم فيها بتيسيره ومعونته ، فسباهم حينئذ حبّه ، واستولى عليهم قربه ، فانخنست « 2 » إذ ذاك نفوسهم واضمحل وجودهم ، وذهب بهم الحياء كلّ مذهب . وهذا هو غاية الجزاء ، ونهاية العطاء عند العلماء العارفين الذين يمنعهم وجدانه من التطلع إلى غيره من الحظوظ الآجلة . كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته ، وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته . هذا بيان آخر لما يكرمهم به من الجزاء المعجّل ، وهو : أن العاملين لرّبهم يفتح لهم من المعارف ، ويورد على قلوبهم من أنواع اللطائف ما يتنسمون منه روح الأنس ، ويتنعّمون به في حضرة القدس . وهذا من علامات وجود الرضوان الأكبر الذي يتلاشى دونه كلّ جزاء ويستحقر ، كان بعضهم يقول : التملّق للحبيب ، والمناجاة للقريب في
--> ( 1 ) النسيئة : مؤجل الثمن . ( 2 ) خنس : انقبض وتأخر ، أو رجع .